رحلتي لدار الرحمة

 بدأت رحلتي بين نظرات الحيرة والخوف والترقب من ذلك المستقبل المجهول, وبين نظرات الحزن التي ملئت تلك العيون. فرحلتي كانت لتلك الدار التي مسحت دموع اليتيمات وحضنت عبراتهن..

         سمعت كثيرا عن تلك الدور التي فتحت أيديها لضم تلك البراعم التي تجرعت الأسى ذلا وقهرا فلا يكفي أنهن حرمن من أجمل كلمة ينطقها الطفل عندما يكبر,  ولكنهن أيضا ذُقن الذل والضرب والإهانة ,حُرمن من متعة الطفولة بل حٌرمن من الإبتسامة..

         ذهبت لدار الرحمة لرعاية الأيتام ذهبت وكلي شغفا لرؤية حياة هؤلاء الفتيات اللاتي يعشن بدون أسرة و بدون كفيل خصوصا وأن أسرتي تعني لي الكثير, بل وأعتقد أن الحياة مستحيلة بدونهم. ذهبت ولكني دهشت!! دهشت عندما رأيت الأم رقية-كما أسموها- قد حاولت جاهدت بناء أسرة لهن, بل حاولت أن تعلمهن كل أمور الحياة الدينية والدنيوية, فهي تعلمهن النظام والترتيب والإعتماد على النفس..بالفعل إنها تستحق تلك التسمية التي أسموها.

       دخلت الدار مع الأم رقية وكُلي آذان صاغية سامعة القصص والمآسي التي تضمها أركان وجدار تلك الدار.

       كانت الفكرة  لتأسيس هذا الدار سنة 2001م هي الطفلة مريم تلك الطفلة التي كان موتها دافعا لتأسيس هذا الدار كانت الطفلة مريم تعيش عند أم تظنها أمها ,ولكن عندما مرضت هذه الأم وكانت تتلفظ أنفاسها الأخيرة أعترفت لمريم بأنها…لقيطة وأن ليس لها أماً. خرجت مريم تائها ضائعة تبحث! ولكن تبحث عن من؟ تبحث عن أم من بين نساء هذا العالم أو عن أبٍ من بين رجاله. ولكن هل تعتقد أنها وجدت؟! بالطبع لم تجد إلا شوارع مدينة الحديدة – التي تسكنها- كافلةً لها ,  ولكن بعض الممرضات اللاتي اعتقدت مريم أنهن ملائكة الرحمة -كما يقال- حيث أخبرنها أن تأتي معهن إلى صنعاء حيث سيبحثن عن عمل هناك. ولكن عندما وصلن إلى صنعاء تخلين عنها وتركنها كما تخلى عنها الكثير عندما عرفوا أنها لقيطة. مسكينة هي مريم, يحثت عن الطعام و المأوى ولكن بدون جدوى, فعاد الشارع مأوى لها, فاستلقت على عتبة أحد الأبواب فوجدها رجل طيب وأخذها للجمعية وقد كانت في حالة يرثى لها حيث ارتفع ضغط الدم عندها فخرج من أذنيها وعينيها , و ودعت هذا العالم الذي أذاقها المر ألواناً. أثارت قصة مريم مشاعر العاملين في الجمعية,فقرروا إنشاء دار لرعاية الأيتام ,بعد أن كان عمل الجمعية يقتصر على جمع التبرعات وتوزيعها عليهم. فبدأ العمل على تنفيذ فكرة إنشاء دار لرعايه الأيتام رغم رفض المجتمع لهذه الفكرة , فببذل الكثير والكثير تم تحقيق و إنجاز هذا المشروع الذي يضم الآن 150يتيماً ويتيمة.

       شخص لم أسمع به إلا اليوم هو أحمد المنصري الذي بصم بصمته في قلوب تلك الفتيات, و ضرب مثالاً عالياً في الرأفة والكرم, حيث تبرع بثلاث بنايات لصالح هؤلاء الفتيات.

       الجمعية تتكفل بأخذ اليتيمات اللاتي لا يجدن مأوى جيداً حيث يعشن بين الضرب والتعذيب, أو اليتيمات اللاتي لا يجدن أسرة تربوية, أي تكون الأم سبباً في فساد تلك اليتيمة أو يكون والدها مجنوناً أو مسجوناً سجناً مؤبداً أو عليه حكم بالإعدام.

      حاولت الجمعية أن تعوضهن عن الحرمان وفقْد الأسرة بأن قسمت الدار إلى شقق في كل شَقةً أربعة غرف وصالتان وحمامان ومطبخ, في كل شقة تسكن عشرين فتاة و أم بديلة, مكوناتً بذلك أسرة متعاونة. تقوم الأسرة على الحب والتعاون فيقسم العمل بينهن فمنهن من تنظف البيت, ومنهن من تصنع الطعام, ومنهن من تغسل الملابس. ليس هذا فقط بل قد حاولن المسؤولات بتنظيم الوقت لهن.فكل الفتيات يستيقظن الساعة الرابعة لأداء صلاة الفجر,ثم تجتمع معهن الأم رقية, ثم يذهبن لأداء أعمالهن المنزلية ومن ثم الذهاب لمدارسهن وبعدها يذهبن إلى مراكز تحفيظ القرآن وبعدها يجلسن لأداء واجباتهن حتى الساعة الثامنة. بل هن يتعلمن أيضاُ الحرف اليدوية ,فينمي الدار المواهب لكل واحدة فمنهن من تجيد الخياطة أو التطريز أو الرسم أو صنع الأعمال اليدوية, ولهن مشغل غاية في الجمال والأبداع.

       هذة الجمعية التي قد بعثها الله لتزيل بعض من معاناتهن قد حوت الكثير من القصص التي يقشعر منها البدن وتحرق القلب قهرأ على تلك البراعم, بل التي أذهلتني أنا ومن معي, حيث تعجبت من أولئك الناس ألا يملكون قلوبا أم أنها قد أصبحت حجاراً. فلكل فتاة دخلت الدار لها قصة معاناه من بين إهانة وضرب وتعذيب. أكل ذلك لإنها بدون أب. آه ما أقساه من زمن…

       سمعت بعض من القصص الاتي أجهشت الحاضرين بكاءً. فمنها:

       كانت فتاة في الحادية عشر من العمر حرمت من الطفولة فبدل أن تجد الدلال والحنان وجدت الضرب والتعذيب, فهي تعيش مع أمها وزوج أمها التي تزوجته بعد وفاة والدها. وفي أحدى الليالي كانت الفتاة تحرس قات زوج أمها الذي كان السبب في ضربها حيث أتى بعض من السرق وقاموا بسرقة القات الذي كانت تحرسه فتاة في الحادية عشر!!. عندما علم ذلك الزوج الذي ملئ قلبه بالقسوة والجبروت قام بضربها ضرباً مبرحا بل وتعذيبها وتذويب البلاستيك على جلدها الصغير ولم يكفيه ذلك بل قام بربطها في اسطبل الحيوانات.كل ذلك لأنها لم تستطع حماية ذلك القات من أيدي أولئك السرق…

 

       أما الفتاة التي في الصف السادس فتعيش مع أمها و زوج أمها ,ولكن الأم تعبت من زوجها الذي أرهقها ضرباً هي وأولادها طالباً منهم تدبير المال له, فطُلقت منه ولكن أبوها أخبرها أنه لن يفتح بيته إلا لها وحدها و بدون فلذات أكبادها, لكن الأم لجأت إلى أستأجار بيت لها ولأولادها. بعد مدة وجيزة رجع طليقها يريد أن يدخل البيت الذي أصبح محرماً عليه لكن الأم رفضت. حاول جاهدا دخول البيت وهو يطرق الباب طرقا شديدأ. خافت تلك اليتيمة فطمأنتها أمها . بعد توقف الطرق أعتقدت الأم المسكينة أنه يأس و رحل ولا تدري أن هذا الوحش منتظراً بالخارج , فعندما أرادت الفتاه الخروج لشراء بعض من الأغراض فإذا بالوحش يدخل منقضاً على الأم بالطعن المتتالي . خرجت الفتاة باكية مستغيثة بالناس وبصاحب المحل الذي يعرفهم ويعرف أمهم ولكن بدون جدوى. كانت الفتاة تركض مسرعة لأهل أمها رغم بعد المسافة ولكنها تريد أن تحمي أمها من ذلك الوحش, عندما أُخذت الأم للمشفى كانت قد نزفت الكثير من الدماء فماتت لأنها لم تجد من يعطيها قيمة الدم ..صرخت الفتاة ألماً فقد ماتت أمها الحنون التي حاولت حماية وتأمين حياتها, , لقد ماتت وهي الكافل الوحيد .قد قتلت تلك الأم بكل أنواع القسوة…

        هناك في تلك الدار الكثير والكثير من المأسي و لكن هل الدار قادراً على استقبال كل تلك اليتيمات؟!. فلو سألنا أي أب كيف حجم المسؤلية التي يبذلها لتربية ورعاية أسرته من حيث المأكل والمشرب والملجأ لأجابنا أنه يعاني الكثير فالحياة أصبحت قاسية جداً فالرضيع يحتاج عناية خاصة وطعاماً معين, وأخوه الذي يكبره طلباته أكثر حيث أنه يحتاج مصاريف الدراسة وتكاليفها أما الأخت الأكبر فهي أكثر تعقيداً حيث أنها أصبحت على مشارف الجامعة وتريد الكثير من الرسوم والمتطلبات وووو…..ألخ

       فما هي حجم المسؤولية و التكلفة التي تنفقها الجمعية لتربية 200يتيم ويتيمة, فالجمعية تعاني الكثير من المشقات فتكاليف الكهرباء والماء التي تصل إلى500.00 ريالاً شهرياً , إلى جانب تكاليف الطعام والكساء علماً بأنهن يلبسن الملابس المستخدمة التي يتبرع بها أهل الخير.

 

        في رحلتي هذه عرفت بعض من اليتيمات فعرفت ذكرى وسمية وبشرى وسلامة و…, ولكن لسما مكانة كبيرة في قلبي حيث أنها عندما رأتني أرتمت بأحضاني وقائلة: ” أنا أحبك..أنت تشبهين ماما زينب”. عبارتها الصغيرة هزت كياني, فهذه الطفلة رغم ضحكها ومرحها إلا أن لعيناها بريق حزن ما زلت أراها مرسومة في مخيلتي , فسما مثال صغير لأي يتيمة في هذه الدار التي لم أتوقع أن ألحظ كل تلك العناية الملحوظة..

 

       تلك الدار التي تحاول جاهدةً لأن تحضن جميع اليتيمات تحتاج الدعم, فهي تضطر لرفض بعض منهن لأنها لا تجد لهن مكاناً. فالدار قامت على أيدي أناس باعوا هذه الدنيا الرخيصة بتلك الدار التي تنتظر الجميع…دار الأخرة.

       أخيراً.. اليتيمات مسؤولية المجتمع أجمع وكلٌ يقدم لهن الخدمة التي يستطيع. فالتاجر يدفع المال والمسؤول يعطي التراخيص التي تسهل مسيرة هذه الدار. والمعلم يدرس. والطالب يحاول مساعدتهن في أي تخصص يحتجنه بل وأن نحاول تسويق منتوجاتهن..

        هذه بعض ما رأيت وسمعت , وأنا أدعو كل مواطن لزيارة تلك الدار -رغم المعاناة التي سوف يراها- إلا أنه سيشعر براحة داخلية وهو يقدم لهن مساعدته, أما بالنسبة لي فهذه الراحة الداخلية جعلتني أشعر بأن هذا -بإذن الله- أول خطوة في طريق الخير الذي سوف أبدأه…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s